تزداد أهمية التحكيم كوسيلةٍ مفضَّلةٍ لحل النزاعات الناجمة عن العقود بشكلٍ عام، وعقود الإنشاءات بشكلٍ خاص، فالتحكيم يضمن للأطراف الراغبين بحل نزاعٍ معين عدداً من المزايا التي لا تتوفر في القضاء
مفهوم التحكيم :
التحكيم هو أسلوب خاصٌ لحل النزاعات، حيث يتفق أطراف نزاعٍ معين على إحالة هذا النزاع إلى شخصٍ واحدٍ أو عددٍ من الأشخاص، ليقوموا بإيجاد حلٍ لهذا النزاع، يلزم أطرافه جميعاً.
وعليه فأن مفهوم التحكيم هو نظام لحل المنازعات المدنية والتجارية بين الأفراد من خلال مدة معينة يحددونها سلفاً ومن خلال إجراءات يختارونها وقانون يرتضون تطبيقه حتى يصدر حكماً أو صلحاً يلتزمون به .
والتحكيم يتطلب وجود اتفاقٍ بين جميع أطراف النزاع على إتباع هذا الأسلوب كوسيلةٍ لحل النزاعات، وإن ممانعة واحدٍ منهم فقط وعدم موافقته على اللجوء إلى التحكيم، يجعل الاختصاص بنظر هذا النزاع معقوداً بشكلٍ حصريٍ للقضاء، صاحب الولاية العامة لحل النزاعات جميعا .
والمنازعات قد تكون منازعات مالية أو مدنية أو تجارية أو عقارية أو منازعات حول تنفيذ أحد العقود وقد تكون بين أفراد عاديين أو بين فرد وشركة أو مؤسسة أو بين طرف من هذه الأطراف وبين الدولة أو أحد أشخاص القانون العام أو الخاص .
والاتفاق على التحكيم له شكلين:
1- الشكل الأول عبارة عن بند من بنود عقد المقاولة الذي قد يبرم بين مالك البناء والمتعهد مثلاً، حيث يشار فيه إلى أنَّ أيِّ نزاعٍ قد ينجم بين المالك والمتعهد حول هذا العقد، يحلُّ عن طريق التحكيم.
وعليه فأن شرط التحكيم هو الشرط الذي يوجد كبند من بنود عقد معين .
2- الشكل الثاني عن طريق مشارطة التحكيم أو ما يمكن تسميته باتفاق التحكيم، حيث يقوم أطراف أحد العقود بإبرام اتفاق لاحقٍ للعقد الذي أبرموه فيما بينهم، لإحالة النزاع الذي نشأ بينهم إلى التحكيم، ويكون هذا الاتفاق بعد نشوء النزاع، بخلاف شرط التحكيم والذي يكون قبل نشوء النزاع.
وعليه فأن مشارطة التحكيم ، عبارة عن اتفاق تحكيم لاحق على وقوع المنازعة ، وقد يتضمن الاتفاق إجراءات التحكيم واختيار المحكمين ، وقد يصدر باختيار هيئة تحكيم مستقلة أو مركز تحكيم ويولونه اختيار الإجراءات المناسبة و القانون الواجب التطبيق طبقاً للقواعد التي ارتضاها الطرفين .
وآيا كان الشكل الذي يأخذه اتفاق المتعاقدين على حل النزاع عن طريق التحكيم، فإن له الأثر نفسه، إذ أنه يجعل التحكيم الطريق الحصري لحل هذا النزاع، ويجعل القضاء غير مختصٍ للنظر به، وإذا ما تجاوز أحد الأطراف الاتفاق على التحكيم، وعرض النزاع على القضاء، فإن القضاء سيحكم بعدم اختصاصه للنظر به .
مزايـا التحكيم :
للتحكيم فوائد كثيرة منها على سبيل المثال البعد عن إجراءات التقاضي المطولة التي قد تصل إلى سنوات عدة لأن التحكيم مشروط بمدة معينة يجب أن ينتهي خلالها وهى مدة 6 شهور يجوز مدها 6 شهور أخرى فقط .
- ولكن يجوز للأطراف الاتفاق على مدة أطول .
أما النزاع أمام المحكمة قد يطول لسنوات ويزيد من الأعباء المالية والاقتصادية على أطراف النزاع.
ومن فوائد التحكيم أيضاً أنه يخضع في جميع أجزائه إلى اتفاق الأطراف بدأ من تحرير مشارطة التحكيم وتحديد الإجراءات والقانون الواجب التطبيق حتى اختيار المحكمين ومدة التحكيم وليس للقانون تدخل في التحكيم ، إلا إذا كان يكمل إرادة الأطراف في حالة عدم الاتفاق على أمر معين .
كذلك من فوائد التحكيم أن القضاء يمتنع عن نظر الدعوى إذا وجد مشارطة تحكيم ، وبالتالي ضمان سرعة إنجاز الفصل في الدعوى عن طريق التحكيم ، هذا بالإضافة إلى الفوائد الكثيرة العملية مثل تشجيع الاستثمارات الأجنبية مع الشركات المحلية، وكذلك محاولة تجنب ضياع الوقت أمام القضاء في نظر كثير من القضايا التي تنتهي بالتحكيم مما يساعد على حل مشكلة بطء إجراءات التقاضي . بالإضافة إلى توفير الوقت و الجهد و المال المستغرق في حل النزاع عن طريق التقاضي .
بالإضافة إلى أن حكم التحكيم لا يجوز الطعن عليه بطريق الاستئناف أو النقض كالدعاوى القضائية العادية ولكن لحكم التحكيم طريق واحد للطعن عليه هو بدعوى البطلان، وهذا يحدث إذا شاب حكم التحكيم أي سبب من أسباب البطلان ( القانون المصري ) .
وعلى هذا يمكن تلخيص مميزات التحكيم في :
1- خدمة مصالح الدولة في عدم تكدس القضايا .
2- مسايرة الأنظمة الدولية الحديثة .
3- قلة التكاليف والنفقات .
4- سرعة الفصل في المنازعات .
5- يقوم على التراضي والقبول .
6- سرية المنازعات .
7- حرية اختيار المحكمين .
ولذلك يحقق التحكيم للمتعاقدين في عقود الإنشاءات مزايا متعددة. فالقضاة لا تتوافر لديهم دائماً المعرفة والاختصاص اللازم لحل نزاعات عقود البناء والإنشاءات، وما قد ينجم عنها من تعقيداتٍ ومشاكل عملية لا يستطيع فهم كنهها وحلها إلا أهلها، أما التحكيم فيتيح لأطراف النزاع عرضه على المحكمين، الذين يمكن اختيارهم من أهل الخبرة والمعرفة بموضوع النزاع، سواءً أكانوا من المهندسين أو من المحامين المختصين والممارسين ذوي الخبرة بعقود الإنشاءات .
فضلاً عن ذلك، فإن المشاريع الإنشائية تتطلب تكاليف مالية وبشرية هائلة، كما وتتطلب حشد العديد من التجهيزات والآليات، وإن المشروع يتعرض أثناء حياته إلى العديد من المشاكل والنزاعات التي تتطلب حلاً سريعاً، كي يستمر المشروع ويتابع مسيرته ويتم إنجازه في الوقت المتفق عليه، فكل يومٍ يتأخر فيه المشروع عن الوقت المخطط له، يكلف نفقاتٍ ومصاريف باهظة غير مبررة وغير محسوبة، وقد يترتب على هذا التأخير غراماتٍ في بعض الأحيان. لذلك، لا بد من حل هذه النزاعات بأكبر سرعةٍ ممكنة.
وحيث أن عرض النزاع على القضاء، ليأخذ مجراه الطبيعي ويمر بمراحل عملية التقاضي الثلاث من بدايةٍ واستئنافٍ ونقض، حتى يصدر الحكم النهائي الفاصل للنزاع، قد يتطلب فترة زمنية تستغرق سنتين على أقل تقدير، فالقاضي أو المحكمة الناظرة في النزاع ليست متفرغةً له، وأمامها العديد من الدعاوى المختلفة المواضيع، مما يتطلب وقتاً أطول للفصل بها.
أمَّا حل النزاع عن طريق التحكيم فيتم بمدةٍ قصيرةٍ نسبياً بالمقارنة مع الحل عن طريق القضاء. فإذا كان أطراف النزاع قد جهَّزوا جميع الوثائق اللازمة لعرضها على المحكمين، وأحسنوا اختيار المحكمين من ذوي الخبرة والكفاءة والأمانة، فإن هؤلاء المحكمين سيستطيعون استيعاب النزاع بوقتٍ قصير، وسيكون بإمكانهم حله بسرعةٍ كبيرة .
فضلاً عن ذلك، ونظراً لأن الشركات الأجنبية تكون في كثير من الأحيان طرفا في العقود والمشاريع الإنشائية، حيث يكون العقد الأساسي فيها باللغة الإنكليزية، وتكون العديد من الوثائق مكتوبة بغير العربية، كما أن أولئك الذين يمثلون هذه الشركات يكونون من الأجانب، وقد تستعين بمحامين غير عربٍ أيضاً، الأمر الذي يجعل حل النزاع عن طريق القضاء مرهقاً ومكلفاً للمتنازعين، إذ أنه يتطلب ترجمةً للوثائق إلى اللغة العربية، كما ويتطلب الاستعانة بمترجمين محلفين أيضاً.
في حين أنه لو تم حل النزاع عن طريق التحكيم، فلا شيء يمنع نهائياً من أن تكون اللغة الإنكليزية أو أي لغةٍ أجنبية أخرى لغةً للتحكيم، ومن ثم يصدر الحكم بهذه اللغة، وتتم ترجمته لوحده مع اتفاق التحكيم إلى اللغة العربية من أجل تنفيذه جبراً، إن لم يقبل الطرف الخاسر تنفيذه رضاء .ً
وأخيراً فإن حل النزاع عن طريق التحكيم يتيح للفريق الرابح استرجاع كافة النفقات التي دفعها في سبيل حلِّ النزاع،
ففي ظل النظام القضائي في مصر (وكذلك في جميع البلاد العربية الأخرى) يسمح القانون للمحكمين أن يحكموا للفريق الرابح بكافة المصاريف التي أنفقها على التحكيم، من أتعاب محامين ومحكمين.
فالعادة قد جرت على أن يتفق أطراف النزاع أن يتحمل الفريق الخاسر وحده كافة المصاريف والنفقات.
وفي الوقت نفسه، نجد أيضاً أن العديد من النزاعات تنص على أن كل واحد من طرفي النزاع يتحمل أتعاب محاميه ومحكمه، في حين يتحمل أتعاب المحكم المرجح المتحاكمين مناصفةً
أهمية التحكيم :
للتحكيم أهمية كبيرة في الحياة الاقتصادية بين الشركات الاستثمارية والأفراد ، إذ يمكن النص على اللجوء إلى التحكيم قبل اللجوء إلى التقاضي في أي عقد تجارى أو صناعي أو عقد من العقود العقارية ، مثل البيع أو الإيجار أو الرهن .
على سبيل المثال أن يلجأ الطرفان إلى التحكيم ويمتنع القضاء عن النظر في موضوع النزاع في هذه الحالة ضمان سرعة الفصل في النزاع بأقل مجهود وفى أقل وقت ممكن مع ضمان العدالة في الفصل في النزاع مع بساطته وسهولته ويسره ، إذ إن التحكيم ليس له شروط معينة أو إجراءات يجب أن تتبع بل هو أبسط من مجرد رفع الدعوى أمام المحكمة .
وتأتى أهمية أخرى للتحكيم تتمثل في كونه يساعد بشكل أساسي في انتعاش الحياة التجارية وتشجيع المستثمر على الدخول في استثمارات كبيرة وفى علاقات تجاريه واسعة دون الخوف من مجرد ضياع الحقوق أو إطالة أمد التقاضي إذا حدثت منازعة بشأن عملية تجارية أو تنفيذ عقد كما تسهم عملية التحكيم بشكل أساسي في تشجيع الاستثمارات الأجنبية ، حيث يخشى المستثمر الأجنبي من القوانين المحلية ومن بطء إجراءات التقاضي ، فيمكنه اشتراط القانون واجب التطبيق في حالة حدوث منازعة سواء كان القانون المحلى أو الأجنبي .
تقسيم التحكيم :
تحكيم وطني وأجنبي ودولي :
ينقسم التحكيم إلى تحكيم وطني وآخر أجنبي وثالث دولي. ويصعب وضع خطوط فاصلة بشكل واضح ما بين هذه الأنواع.ويمكن الإشارة إلى بعض المعايير التي تبنتها قواعد قانونية دولية، أو حتى وطنية، بشان التحكيم الأجنبي والدولي حيث المبدأ تحكيميا وطنيا.
فبالنسبة للتحكيم الأجنبي، هناك اتفاقية نيويورك لسنة 1958 بشأن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية foreign awards، التي أوجبت على الدول المنضمة لها أن تنفذ على أراضيها، كمبدأ عام، قرارات التحكيم الصادرة في دولة أخرى.
فالمعيار هنا شكلي بحت، بمعنى انه حيث يصدر قرار التحكيم في دولة (أ مثلا)، لينفذ في الدولة (ب مثلا)، فانه يعتبر أجنبيا بالنسبة للأخيرة.
ولكن أضافت الاتفاقية بوجوب تطبيق أحكامها على التحكيم الذي لا يعتبر محليا لدى الدولة المطلوب تنفيذ ذلك القرار فيها (المادة 1/1).
ومثال ذلك أن يحيل العقد في تسوية النزاعات إلى مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري، ويتم التحكيم وفق قواعد المركز في القاهرة ويصدر القرار فيها. في هذا المثال، لا يكون التحكيم محليا بالنسبة للقانون المصري، وإنما يكون دوليا فتطبق عليه اتفاقية نيويورك بالرغم من أن قرار التحكيم صدر في مصر (المادة 3/ثانيا من القانون رقم 27/1994).
وبالنسبة للتحكيم الدولي، نص القانون النموذجي لليونسترال على أن التحكيم يكون دوليا في أحدى الحالات التالية (المادة 1/3):
1- إذا كان مقرا عمل طرفي اتفاق التحكيم وقت عقد ذلك الاتفاق واقعين في دولتين مختلفتين.
2- إذا كان أحد الأماكن التالية واقعا خارج الدولة التي يقع فيها مقر عمل الطرفين:
أ- مكان التحكيم إذا كان محددا في اتفاق التحكيم، أو
ب-أي مكان ينفذ فيه جزء هام من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية، أو المكان الذي يكون لموضوع النزاع أوثق الصلة به.
3-إذا اتفق الطرفان صراحة على أن موضوع اتفاق التحكيم متعلق بأكثر من دولة واحدة.
ومن ناحية أخرى، قد يكون للشخص أكثر من مقر عمل، أو لا يكون له أي مقر عمل على الإطلاق.
وفي الحالة الأولى نص القانون النموذجي على أن العبرة عندئذ لمقر العمل الأكثر صلة باتفاق التحكيم، ونص في الحالة الثانية على أن العبرة في وضع كهذا لمحل الإقامة المعتاد لذلك الشخص (المادة 1/4).
وأضاف القانون المصري ومن بعده العماني، للحالات أعلاه، الحالة التي يتفق فيها طرفا التحكيم على اللجوء إلى منظمة تحكيم دائمة أو مركز تحكيم داخل مصر (أو عمان) أو خارجها(3).
ومن الجوانب المهمة التي تبرز في التفرقة بين هذه الأنواع من التحكيم، هو خضوع أو عدم خضوع تنفيذ قرار التحكيم لاتفاقية نيويورك بالنسبة للتحكيم الأجنبي كما هو مبين فيما سبق. وكذلك فان القانون النموذجي لا يطبق على التحكيم الداخلي (أو الوطني) بالنسبة للدول التي تطبقه على التحكيم التجاري الدولي فقط، مثل البحرين في المرسوم بقانون رقم 9 لسنة 1994(4).