رؤى عقارية
اشتراكية.. بنكهة سعودية
عثمان سليمان العيسى
(مشكلتنا الكبرى عندما تكون الوسيلة مثالية والغاية غامضة !).. آينشتاين .
تتقافز شياطين الغضب وعلامات الغبن.. أمام عيني (مدحت).. في كل مرة يحط فيها رحاله أمام عمارته القديمة، الواقعة في واحد من أفخر أحياء (القاهرة).. (؟؟؟) الحي الفاخر جداً.. الذي تحوّل إلى (كانتون) لأولاد الذوات كما يقال منذ 20سنة تقريباً.. ومع كل هذه المواصفات.. فإيجار عمارته لا يتجاوز ال 200جنيه لعدد 6شقق !!.. (مدحت).. خاضع لقانون التسعير المصري القديم الصادر في عام 1965م.. والذي يلزم المؤجر.. بعدم الزيادة على المستأجر بحال من الأحوال.. ولا مخرج قانونيا لهذه المعضلة.. إلاّ أن يخلي المستأجر الشقة.. إذ لا يحق للمؤجر بيع العمارة.. رغم وصول سعر الأرض لحاجز ال 25مليون جنيه !!
مصر.. لديها أكثر من (5.000) قانون.. وصل بعضها حد الترهل والجمود، بمضي الزمن على تشريعاته وعدم مواكبتها للعصر.. ومع الأسف يريد البعض الآن، استنساخ هذه التجربة لتكون هذه المرة بنكهة سعودية !!
لم يكن المشّرع المصري عندما سنّ قانون (التسعير العقاري).. ينتظر هذه النتيجة البائسة، بل كان واضعاً في عين الاعتبار مصلحة المواطن المسكين في إيجاد مسكن لائق بسعر عادل.. ولكن السؤال الذي يلقي بنفسه.. إلى ما انتهت هذه التجربة المخيفة.. والتي تحدث عن جزء منها الدكتور عبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي - الحاصل على الدكتوراه من جامعة كلورادو في مجال النظرية النقدية والاقتصاد القياسي - في بحثه القيّم : (التسعير العقاري بين الفقه والاقتصاد) .
إن الأصوات الداعية إلى تحديد أسعار العقارات والإيجارات في السعودية، ستؤدي في النهاية عكس ما يراد منها، فلن تحل ظاهرة الخلافات التي تنشأ بين مالك العقار والمستأجر بل ستزداد، بحيث ستكون العلاقة بينهما أكثر تشابكاً، وأطول تقاضياً.. !!
ولكي نكتشف خطورة هذا الإجراء على الاقتصاد بعامة.. يكفي أن نطرح هذه الأسئلة ونرى مدى إمكانية الإجابة عنها.. إن كانت هناك إجابة أصلاً :
@ من المخّول بتسعير الشقق، وتحديد أسعار الأراضي.. وإلى ما ستستند اللجنة في عملية التسعير.. إلى المعالم.. أم إلى أسعار الجوار.. أم أن التقدير سيكون جزافياً.. كتقديرات الزكاة ؟!!
@ ما مدى إمكانية الطعن في قرار هكذا لجنة سيكون لقرارها من الآثار الاقتصادية ما نعلم حتماً تأثيره الجوهري ؟..
@ هل ستملك اللجنة فعلاً آلية متابعة المستجدات.. على المناطق العقارية.. والتحديث الدوري لأسعار الإيجارات والبيع.. !!
@ أليس الأصل في الشريعة هو حرية التعامل بين الناس، والتي تعد عاملاً قوياً في زيادة الفعالية الاقتصادية وتوفير أنواع السلع، والتسعير عمل يخالف الأصل الذي بني عليه التعامل بين الناس، ويقيد الحرية ويؤدي إلى اختفاء السلع.. الأمر الذي لا يعود على الأمة إلا بالغلاء، ويؤدي إلى انتشار السوق السوداء على نطاق واسع..
@ التجارب المماثلة في الدول العربية.. فالتجربة المصرية ماثلة أمامنا عياناً.. والتجربة السورية عمد المشرّع إلى ما يسمّى (العقد السياحي) كمخرج قانوني للقضية، بعدما آمن بسوء التسعير وآثاره السلبية !!
جمال التجربة السعودية.. كان في السوق الحر المفتوح.. والمنافسة الشرسة.. التي حققت من الفوائد ما جعل العديد من الدول تنظر بعين الرضا عنها.. وتطمح إلى استنساخ جزء من هذه التجربة.. في إنشاء.. سوق حرة.. بلا ضرائب.. وبلا قيود !!..
أغمض عينيك عزيزي القارئ وتخيّل فقط.. نجاح مشروع القانون الذي قدّم للملك (فيصل) رحمة الله عليه في نهاية التسعينات.. لتسعير الشقق ومنع إخراج المستأجر.. لو لم يصرف النظر عنه في آخر لحظة.. !!
* الباحث في أنظمة العقار
oalessa@alriyadh.com