عثمان سليمان العيسى
(لا يعجبنا الجيد حينما لا نكون في مستواه).. الفيلسوف الألماني نيتشه
* دشنت وزارة العدل في الأسبوع الماضي الإصدار الأول من "مدونة الأحكام القضائية"، التي هي في عرف القانون مجموعة قواعد تمثل الجانب العملي لتطبيقات السلطة القضائية على القضايا المعروضة أمامها.
المتابع الجيد للبحوث والقضايا العقارية، يعرف أن السلطة القضائية إنما تتقيد بواقع العرف العقاري وما يستجد فيه من مشاكل، فتقوم بتأويل القواعد القانونية وفق ما يتناسب مع هذه المشاكل الناشئة، وفق تطبيقات تصيب حيناً ببراعة وتخطأ أحياناً أخطاءً فاحشة!!
إن النظام القانوني لدينا يجب أن يقوم كما هو في القوانين (الأنجلوساكسونية) على مبدأ السوابق القضائية، ومفاد السابقة القضائية أنَّ كل محكمة تلتزم بالمبدأ القانوني الذي بنت عليه حكمها السابق أو ما يسمى بمحكمة القرار، كما تلتزم بالمبادئ القانونية التي قررتها المحاكم التي تماثلها أو تعلو عليها في المرتبة، كما في القانون الإنكليزي الذي يحكم قاضيه عن طريق العادات والأعراف، وعليه فإن المحاكم تفصل في النزاع بمقتضاها، فإن لم يجد القاضي عرفاً أنشأ حلا قانونياً يحسم النزاع، بحيث ينشئ كل حكم جديد سابقة قضائية، يجب التقيد بها في القضايا المماثلة من قبل المحكمة التي أصدرته، ومن قبل المحاكم التي هي أدنى منها أو تماثلها درجة، كما وضّح ذلك القانوني العراقي عبدالكريم الزيباري في بحثه القيّم: (السلطة القضائية بين الاستقلال والاستغلال).
إن الأخذ بالمصادر التشريعية يضمن استقرار النشاط العقاري، وذلك بالطبع عبر إرساء مبدأ السوابق القضائية بواسطة لجان تشكل في وزارة العدل للعمل على جمع السوابق القضائية الصادرة من المحاكم العليا وجعلها ملزمة للمحاكم الدنيا، مع الأخذ في الاعتبار جزئيتين مهمتين جداً لم يتطرق لهما حتى اللحظة:
@ أن يكون التدوين في كافة التخصصات بما فيها الجانب العقاري بدل الاقتصار على القضايا الأسرية، لأن النشاطات التجارية هي أحوج ما تكون إلى معرفة كيفية إنزال الحكم الشرعي عليها، بالإضافة إلى ما في استعراض القاضي المبتدئ، للسابقة القضائية من فائدة عظمى في الإحاطة بأعراف وخفايا المهنة.
@ أن يكون التدوين على سبيل الجبر والإلزام، فإن رأى القاضي أنه بلغ مرتبة في الاجتهاد القانوني، تخوّله أن ينشئ حكماً جديداً، فإنه يرفع ذلك الحكم إلى المحكمة العليا، فإن أقرته عُمِلَ به كمبدأ قانوني ناسخ لما قبله، فإن لم يرتق إلى ذلك بقي على حكم السابقة الأولى، وهو ما يعمل به القانون الإيطالي.
إن سوقاً عقارية لا يعرف فيها المستثمر، الآلية التي بموجبها يحكم له برأس المال مع الأرباح، والطريقة التي يحكم له برأس المال فقط، والوسيلة التي يصرف فيها النظر عن دعواه بدعوى الخسارة دون مزيد استحكامات قضائية، لهي بحاجة فعلاً إلى تقنين وإلزام، لا تدوين واختيار!!
الباحث في أنظمة العقار
oalessa@alriyadh.com